• اليسار التونسي تاريخ من التامر والانتهازية

     اليسار التونسي تاريخ من التامر والانتهازية

    بقلم مصطفى القلعي: كاتب وباحث

     

    هناك ثلاثة أحزاب، ذات مرجعيّات يساريّة وساهمت في النضال ضدّ الديكتاتوريّة، لم تتحمّس لمشروع تجميع القوى التقدميّة اليساريّة في جبهة سياسيّة تكون قادرة على تجاوز خيبة 23 أكتوبر والعمل على تحقيق أهداف الثورة وبناء صدّ تقدّمي ضدّ كلّ محاولات النكوص سواء صدرت عن الأحزاب الرجعيّة أو عن النظام القديم. لم يكن حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي ولا حزب العمل الوطني الديمقراطي ولا الحزب اليساري الاشتراكي في قصر المؤتمرات يوم 6 أكتوبر 2012 أين اجتمعت القوى التقدميّة وأعلنت تأسيس الجبهة الشعبيّة. لماذا؟ 

    الأسباب كثيرة؛ منها ما يتعلّق بالموقف المهادن لنظام بن علي منذ 2009 وحتى في أيّامه الأخيرة، وهذا شأن الحزب الاشتراكي اليساري. فمساء 13 جانفي 2011، حين كان حمّه الهمّامي في أقبية وزارة الداخليّة، كان قادة الاشتراكي اليساري يمجّدون خطاب بن علي ويعتبرونه خطابا تاريخيّا ويدينون بشكل  

    ما هي مشكلة أحزاب اليسار المستجيرة بنداء تونس؟صريح وضمني استمرار الاحتجاجات الشعبيّة ضدّه. 

    ومنها التغيّر الإيديولوجي المستمرّ الناجم عن موقف خاصّ من المبادئ الماركسيّة الكبرى في ضوء المتغيّرات الكونيّة والمعطيات الوطنيّة الثقافيّة والسياسيّة. وهذا شأن حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، سليل الحزب الشيوعي الذي تأسّس سنة 1920، الذي جعلته مراجعاته الإيديولوجيّة قريبا من صورة المتبرّئ من يساريّته أصلا. وهو ما دفعه إلى اللعب على اسمه فجعل يغيّره بلا هوادة قبل الثورة وبعدها في استراتيجيا ماكرة لإتلاف آثار مراجعه الإيديولوجيّة مقابل استبدالها بشعارات مائعة لا تحدّد انتماء إيديولوجيّا محدّدا. ولكنّنا في المقابل يمكن أن نسجّل حرص هذا الحزب على المعركة اللائكيّة وحسمه النهائي في المعركة العمّاليّة. وهو ما جعله حزبا نخبويّا يستميل الأكاديميّين والفنّانين والفرنكفونيّين المتصادمين مع إيديولوجيا الإسلاميّين تصادما صادما بلا فسحة من مناورة. 

    ومن أسباب غياب هذه الأحزاب عن مشروع توحيد القوى اليساريّة التقدميّة نجد أيضا أسبابا ذاتيّة متّصلة بمواقف شخصيّة مزاجيّة خلّفت انقسام القوى الوطنيّة الديمقراطيّة وتشظّيها إلى أربعة أطراف اجتمع منها اثنان في الوطد الموحّد وانضمّ الوطد الثوري إلى الجبهة الشعبيّة بل كان من مؤسّسيها وهرب الرابع إلى خارج الدائرة اليساريّة التقدميّة يبحث عن مستقرّ في غير أرض، وهو شأن حزب العمل الوطني الديمقراطي المتفرّع عن الحركة الوطنيّة الديمقراطيّة. 

    هذه الأحزاب الثلاثة (المسار الديمقراطي الاجتماعي والاشتراكي اليساري والعمل الوطني الديمقراطي) ظلّت تناور مع الجبهة الشعبيّة تهادنها دون أن تتقدّم نصف خطوة في اتّجاهها بينما تقطع خطوتين بعيدا عنها. ولم تنو الاقتراب منها. وبقيت تنتظر أن يؤسّس الباجي قايد السبسي حزب نداء تونس ثمّ يفتحه للباحثين عن الاحتماء لترتمي ثلاثتها بين قدميه. 

    لابدّ من التذكير بأنّ هذه الأحزاب مضافا إليها الحزب الجمهوري، وبعد أن والت قايد السبسي ونداءه، عملت كلّ ما في وسعها لسحب الجبهة الشعبيّة نحو التطبيع مع نداء تونس ورئيسه وذلك منذ نشأة الاتحاد من أجل تونس في 7 ديسمبر 2012. وقد ابتكرت أحزاب الاتحاد من أجل تونس فكرة الجبهة الديمقراطيّة لمواجهة الرجعيّة ونزوع الاستحواذ على السلطة عند حركة النهضة. واستغلّت أحزاب الاتحاد من أجل تونس واقعة اغتيال الشهيد شكري بلعيد  يوم 6 فيفري 2013 لتمارس كلّ أنواع الهرسلة والضغط على الجبهة الشعبيّة من أجل الدخول في تحالف جبهة ديمقراطيّة يقودها نداء تونس. 

    وظّفت هذه الأحزاب كلّ ما فيها من انتهازيّة لاستغلال ارتباك الجبهة الشعبيّة بسبب فقدانها لأحد أهمّ قادتها ساندها في ذلك الوضع العام الذي كان متّسما بالهشاشة الأمنيّة والتطاول السلفي والاستبداد النهضوي. وحاولت أحزاب الاتحاد من أجل تونس رسم صورة منسدّة للمشهد لا خلاص منها بغير التحالف مع نداء تونس. 

    ولكن وجب التذكير بأنّ هذه الأحزاب الأربعة لم تكن وازنة في الاتحاد من أجل تونس. لم تكن عند قايد السبسي وندائه أكثر أسلحة نافذة الصلوحيّة تضرّ نفسها أكثر ممّا تنفعه هو. فتعامل معها تعامل الغازي مع جواسيس الأرض التي يغزوها يعني أن يأخذ منهم كلّ ما يفيده ولا يعطيهم شيئا ويوصي بالتخلّص منهم في أقرب منعرج. 

    لقد نسيت الأحزاب اليساريّة الموالية لقايد السبسي وندائه شعاراتها الديمقراطيّة وتناست عنجهيّة السبسي وتشبّعه بثقافة « أنا أو لا أحد » و « وأنا ما يحكم معايا حد ». لقد قدّرت هذه الأحزاب ذات المرجعيّة اليساريّة أنّ قايد السبسي ونداءه مدعومان من دوائر المال والقرار الدوليّين خلافا للجبهة الشعبيّة. ببساطة لقد مالت إلى من قدّرت أنّه الأقوى والأقدر على الوصول إلى الحكم. 

    لكنّ هذه الأحزاب الديمقراطيّة ظلّت تراقب بارتياب أوجه التقارب بين نداء تونس وحركة النهضة. ولمّا سمعت تصريحات من نوع قول لطفي زيتون: « نداء تونس أعاد الأمل للتونسيّين » علمت أنّ هذا التقارب يخفي طبخات وتقلّبات ستنهي أمرهم إلى ما يشبه أمر من تآمر على أرضه ووطنه مع الغزاة. 

    ناور الحزب الجمهوري مع الاتحاد من أجل تونس بورقة الرئاسيّة مقابل أيّ شيء آخر. ولمّا أيقن بإصرار قايد السبسي على الرئاسيّة افتعل خلافا وغادر إلى النهضة حليف النداء علّه يحظى بدعمها دون حليفه السابق. بينما ظلّت الأحزاب اليساريّة الثلاثة صامتة فلم تتضامن مع رفيق الجبهة الديمقراطيّة بل لم تخف انفراجها باتّساع مكانها الصغير قليلا. 

    أكبر الثلاثة وأكثرهم خبرة بالكامبين السياسي هو حزب المسار، ولأنّه الكبير بادر إلى جسّ نبض النداء وقائده بإعلانه ترشيح السبسي للرئاسيّة متى التزم بقائمات مشتركة في البرلمانيّة. كان المسار يعرف بأنّ النداء حزب سياسي براغماتي وليس جمعيّة خيريّة للعُرجان والبُرصان والمكدّين والمارقين العاقّين المتخفّين في ثوب الديمقراطيّين العلمانيّين الباحثين عن الحسنات السياسيّة. ولم يخب ظنّ المسار فجاء إعلان نداء تونس ترشيح الباجي قايد السبسي للانتخابات الرئاسيّة ودخول الانتخابات البرلمانيّة بقائمات تحمل اسمه وشعاره. فلكأنّه قال لهم: صعّروا خدّكم الأيسر الآن بعد أن صفعنا الأيمن. 

    شيء مخجل، والله، أن تفعل أحزاب بنفسها ما فعلته هذه الأحزاب! ومع ذلك لابدّ لها أن تتوقّف قليلا لتعرف ألاّ مكان لها إلاّ في الجبهة الشعبيّة. طبعا الجبهة ليست فضاء سياسيّا مثاليّا فلها مشاكلها وأخطاؤها. ولكنّها على الأقلّ لا تصفع ولا تغدر ولا تطعن في الظهر ولا تتخلّى عن أبنائها وحلفائها رغم التباينات والاختلافات وهي في كثير من الأحيان علامات صحيّة إيجابيّة. فهل يعقلون أم يبحثون عن أب آخر من بين بن جعفر أو المرزوقي في أحضانه يرتمون؟ 

     

    مصطفى القلعي: كاتب وباحث سياسي

     

    الصهاينة العرب »
    Partager via Gmail Delicious Yahoo! Pin It

  • Commentaires

    Aucun commentaire pour le moment

    Suivre le flux RSS des commentaires


    Ajouter un commentaire

    Nom / Pseudo :

    E-mail (facultatif) :

    Site Web (facultatif) :

    Commentaire :