•  

    تفرقوا أيدي سبأ

     

     تفرقوا أيدي سبأ

     

     

     


    نور الدين العلوي

    لقد انهار سدهم بفعل جرذانهم وتفرقوا كما فراخ الحجل.لا أحد منهم يقرُّ لأخيه بسبق أو مكرمة. كنت اعتقد وقد كتبت أنهم يمارسون مسرحية سياسية تقوم على توزيع الأدوار بين طيب وشرير للهروب من المحاسبة السياسية والقانونية. لكني اكتشفت أن خلافاتهم وفرقتهم ليست مسرحية بل هي جوهر وجودهم. فما كان يجمعهم تفتت فتفتتوا غبارا في الريح. عن التجمعيين أتحدث. 

    معطيات التاريخ 

    للمسألة في تقدير جذور تاريخية فمنذ الخروج من معركة التحرير إلى بناء الدولة حول شخص الزعيم الأوحد نصف الإله جذب الجديين والوطنيين إلى الصفوف الخلفية وقدم الفئات الانتهازية إلى مواقع القيادة فتمعشت من منافقة الزعيم ورسخت تقاليد الغنيمة على قدر الولاء. حتى وصلنا إلى سنة 1987 وهي السنة التي انقلب فيها الجنرال الأمني زين بن علي على بورقيبة الزعيم المؤسس.

    وهذا الانقلاب الذي وصف بالطبي لاعتماده شهادة طبية في فقدان الزعيم لصحته العقلية عمل على إعادة ترتيب الأوراق والمواقع ولكنه اعتمد بسرعة على نفس الفئات الانتهازية التي ألفت حزب (التجمع الدستوري الديمقراطي) بعد حزب الدستور لتعيد نفس سياسة منافقة القائد والغنم بقدر التزلف. فلم تتجدد السياسة ولم تتغير الطبقة السياسية ولم تمر الدولة إلى الديمقراطية المنتظرة.

    بل قبرت الحريات وأفحش البوليس في دماء الناس وأعراضهم وزاد الأمر سوءا أن فئات الانتهازيين من الدساترة القدامى انفتحت على فئات أكثر انتهازية ترفع شعارات الديمقراطية والتحديث (فئات اليسار الانتهازي) وهي في الحقيقة تخوض حرب استئصال سياسي وثقافي باسم الحداثة لكل من يعارض النظام. حتى دُفِع النظام إلى الانهيار أمام شارع محبط ومقهور.

    وفي ساعة الانهيار لم نجد الانتهازيين بل اختفوا كما اختفت جرذان سد مأرب أمام المياه المتدفقة.

    بعد هدوء العاصفة عادوا بأسلوبهم المعتاد(العمل التحتي القائم على التخريب الجبان لمسار بناء الديمقراطية) حيث استعملت كل الوسائل القذرة للعودة والتحكم وأفلحوا في إعادة بناء تحالف مغشوش ربحوا به الانتخابات التشريعية سنة 2014 ودخلوا الحكم من جديد. لكن لكل شيء إذا ما تم نقصان. 

    أوراق اللعب تبعثرت 

    تبين للمتابع أن النظام القديم وإن أفلح في استعادة السلطة إلا أنه لم يفلح في إدارتها فسنة واحدة كانت كافية ليتعرى الانتهازيون أمام استحقاقات الديمقراطية الزاحفة من أسفل رغم فقدانها للقوة العددية.

    لقد فصلت مجريات الأحداث بين القوتين اللتين كانتا متماسكتين قوة جهاز القمع وقوة المراقبة والضبط الحزبي. نشهد الآن تحوّل جهاز القمع إلى قوة أمن جمهوري مخلص للدولة لا للحزب للحاكم.

    وذهب بعضها إلى خدمة مصالحه القطاعية عبر نقابات شرسة لا توالي أحدا إلا مصالح منظوريها ولا تقر بمصالح قيادات الحزب وكوادره. أما في الجهات. فلم يعد رئيس الشعبة التجمعي (الذي صار منسق النداء الحاكم) يتحكم في عون الأمن ويوظفه. ولم يعد العون يخاف من رئيس الشعبة الذي صار مواطنا بلا قدرة على كتابة تقريره الأمني. وبالتوازي لم يعد المواطن يسعى في مرضاة الشعبة التجمعية لكي يتدبر أمره أو يجتنب الأذى. 

    الفجوة بين القوتين دخلت منها قوى جديدة وافتكت لها حقوقا. ولعبت الأحزاب صغيرها وكبيرها دورا مهما في قطع العشب تحت أقدام حزب السلطة. فلما تبيّن للناس أن التجمعي السابق (الندائي الحالي)لم يعد بابا للترهيب أو للمغنم تجاوزوه إلى البحث عن مصالحهم عند غيره أو إلى النضال من أجلها دون وجل. فزاد ذلك في إرباك القوة القديمة على التجميع والتأليف لصالحها.

    وها نحن نراها عاجزة عن عقد اجتماع جماهيري واحد يحضره ألف شخص دون أموال مدفوعة ودون ترهيب إداري وأمني. لقد خرج مال السلطة وجهاز الأمن من يدي التجمعيين إلى غير رجعة لذلك يعجزون الآن عن الالتقاء وبناء قوتهم السياسية من جديد إنها مؤشرات سقوط الخوف وهي خطوة جبارة في بناء الديمقراطية من أسفل.

      

    عاهة الاستئصال والجهوية العميقة 

    فضلا عن هذا الزحف الديمقراطي من القاع تخترق التجمعيين في ثوبهم الندائي الجديد عاهتان مزمنتان عاهة الجهوية وعاهة الاستئصال. وهما تتكاملان في إعاقة الالتقاء من جديد.

    فأما عائق الجهوية فقد ترسخ منذ تمكن الزعيم من حكم البلد وميله إلى إيثار جهته (الساحل) وتقديم رجالها والاعتماد عليهم وحدهم بما رسَّخ لدى فئات واسعة منهم أنهم خلقوا ليحكموا وخُلِق الآخرون لطاعتهم. وقد عادت قياداتهم إلى التآلف لكن على الأساس الجهوي (ساحلي)(حامد القروي ومرجان والهادي البكوش الذي لا يظهر كثيرا في الصورة والطاهر بلخوجة) وهو الأمر الذي دفع قيادات أخرى إلى التجميع على أساس جهوي غير ساحلي(منذر الزنايدي/ القصرين وعبد الرحيم الزواري/ الكاف) كان التجمعيون غير السواحلية يقبلون دوما بالمكان الثاني خلف السواحلية وتبين لهم الآن أنهم قادرون على نيل المكان الأول فاتسع الشرخ بين المكونات الجهوية وتحول إلى عائق بنيوي. 

    أما العائق الثاني فهو البناء على فكرة استئصال المختلف وكان المختلف زمن حزب الدستور هو اليسار ثم لما ظهر الإسلاميون صاروا الهدف الأول للاستئصال ثم بنى التجمع مجده مع بن علي على قاعدة استئصال الإسلاميين .كان الحزب يخلق دوما عدوا داخليا يخوف به الجمهور ويبرر به القمع والاستحواذ. 

    فلما حدثت الثورة وصار الإسلاميون جزءا من المشهد عجز التجمعيون عن لعبة التخويف بهم برغم كل الدعاية الترهيبية في انتخابات 2011 و 2014. حتى وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاشتراك معهم في إدارة البلد. وبعد سنة صار الإسلاميون يديرون البلد من خلفهم ووجدوا أنفسهم ستارا صفيقا عاجزا عن البقاء في الحد الأدنى إلا بالإسلاميين الذين يسحبون الأرض من تحتهم بذكاء وتروٍّ . 

    وفي لحظات التسليم بقوة الإسلاميين تستيقظ نوازع الاستئصال فيتمزق الحزب أكثر. وليس لديهم الآن موقف نهائي بخصوص هذا الشريك البغيض. فهو القصبة التي يتنفسون بها من تحت ماء فشلهم. وقد سلم بعضهم من موقع العاجز لا من موقع الراغب بحق الإسلاميين في الوجود والمشاركة إذ لا يجدون شريكا قويا يعتمد عليه غيرهم.

     

     

    هل يتوبون ويتطورون ؟ 

    لقد فقد النظام القديم مجسدا في حزب النداء قدرة القمع (باستعمال جهاز الأمن) وفقد الأموال التي يستقطب بها الناس لأن رجال الأعمال الذين مولوه ملوا الابتزاز ويشتغلون الآن لحسابهم الخاص. لذلك يرى السلطة تتسرب من بين يديه وعقده ينفرط وهو في وضع الضفدع الذي جف من حوله المستنقع. ولم يبق أمامه إلا الجنوح إلى العنف الذي يخرب المسار الحالي ويدفع إلى وضع مجهول قد يجد منه فجوة أخرى للعودة. 

    ولكن بمن سينتج العنف الذي قد يأتي عليه؟. العنف الموجه يحتاج إلى المال والرجال. وأعتقد انه فقد منها الكثير فضلا على أن لخصومه الآن مال ورجال فهناك تعادل قوى يمنع احتمال العنف من التطور. وهناك نفور عام من العنف وانتظار لانجاز ديمقراطي في الحد الأدنى. يلح بصبر على البدء في إصلاحات حقيقية. وهي إصلاحات تناقض بالضرورة ما دأب التجمع (النداء) على إنتاجه من سياسات فاشلة. 

     

    سنة 2016 ستكون سنة فرجة على مشهد إجهاز النداء على نفسه بنفسه. تحت زحف ديمقراطي من القاع لم يعد ينطلي عليه خطاب التسويف. وقد سمينا ذلك بالهدوء الثوري القاتل. لكن بقدر الفرح بذلك ستكون هناك خيبة فالبديل لم يفهم بعد أن الطريق سالكة ومفتوحة لذلك يتأخر في الظهور. معتقدا أن الغول لا يزال أمام الباب أو لعله يحمل بدوره جينات المرض التجمعي الاستئصال والانتهازية.

    Partager via Gmail Delicious Yahoo! Pin It

    votre commentaire
  • من حسن البنا إلى رجب طيب أردوغان: إلى أين تمضي حركة النّهضةالإسلاميّة في تونس؟

    “تدهش حركة النهضة الإسلامية التونسية هذه الأيام أنصارها وخصومها على حدّ سواء، فالجميع تقريبا يحاول أن يفهم المسافة التي قطعتها حركة إسلامية طالما وصفت من قبل أعدائها بالأصولية بل وبالإرهاب أحيانا، كي تحط رحالها عند تحالف مع حركة نداء تونس التي يعتبرها منتقدوها مجرد إعادة تدوير سياسي لنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ذلك النظام الذي سامها سوء العذاب ولم يمنحها يوما فرصة المشاركة الاجتماعية فضلا عن السياسية”. 

     يصر قادة حركة النهضة الإسلامية التونسية في تصريحاتهم على أن حركتهم تعبر عن فكرها ومواقفها من خلال حزب سياسي مدني، منفتح وحيوي حسم موقفه من الديمقراطية باكرا. وفي ظل قصف نقدي مركز، يتهم خصوم النهضة خطابها وسلوكها السياسي بالإزدواجية، مؤكدين في كل مناسبة أنها تعلن غير ما تبطن، وأنها إنما تدعي الديمقراطية لاستعمالها للوصول إلى الحكم، كي تمارس بعد ذلك تجربة في الحكم يجزمون أنها لا تختلف في الجوهر عن تلك التجارب التي قامت في إيران وأفغانستان والسودان.

    ترد النهضة بأنها ومنذ ندوتها التأسيسية سنة اثنتين وثمانين من القرن المنقضي، أعلنت التزامها المبدئي بالديمقراطية، راسمة بذلك قطيعة بمستوى ما مع بداياتها تحت عنوان “الجماعة الإسلامية” المتأثرة إلى حدّ ما بالفكر السلفي. قالت الحركة التي كانت تسمى أيامها “الاتجاه الإسلامي” إنها تؤمن بالعمل ضمن الشرعية وتسلم بمنطق الانتخابات ونتائج صناديق الاقتراع، وتعهدت على لسان رئيسها الشيخ راشد الغنوشي بأنها ستقبل بما يريده الناخب التونسي حتى لو كان الفائز حزبا شيوعيا.

    أعلت الحركة في مستوى خطابها من قضية الحريات، وطالبت بها للجميع ومدت جسورا للتواصل مع مكونات المشهد السياسي، مستفيدة من دخول تونس البورقيبية مرحلة التعددية السياسية في ظل حكومة الراحل محمد المزالي. مسار بقي محكوما بهواجس سياسية وأزمة ثقة عميقة بين الإسلاميين الذين وجدوا فيه امتدادا لخيارات بورقيبة العلمانية التي اصطبغت باستبداد سياسي أبوي قمعهم مثلما قمع قبلهم اليساريين والقوميين.

    وبينما كانت حركة “الاتجاه الإسلامي” تتراوح بين مساعيها  للاندراج في المشهد السياسي ومواقفها الراديكالية بخصوص الدولة والمجتمع، آلت الكلمة مع الانتقال من حكم بورقيبة إلى الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي إلى الحل الأمني، قليلا بعد متنفس بسنتين أغدق فيهما بن علي وعودا أخلفها بخصوص الانفتاح السياسي وتكريس الديمقراطية وحقوق الإنسان.

    أيا يكن الحال، لم يكف تغيير الحركة اسمها من “الاتجاه الإسلامي” إلى “النهضة” لطمأنة النظام، ولم تكف أيضا لتلافي ما تصفه أدبياتها بالمحنة في إشارة إلى حملة أمنية استئصالية شرسة، سعت لشطب الإسلاميين من المشهد نهائيا، مستفيدة من توجه عالمي لمحاربة ما يوصف بالإرهاب، في ظل مفاهيم فضفاضة، لم تأل آلة بن علي الأمنية والإعلامية في توسيعها حتى تشمل “النهضة” بعيدا عن التحفظات الغربية.

    نكل نظام بن علي بمن لم يستطع أن يفلت من الإسلاميين من “محرقة التسعينيات”، غير أن من رمت المهاجر معاطفها وخبأتهم على حد تعبير غنائية “أحمد العربي”، وجدوا لاحقا في ضارة منفاهم القسري نافعة لعبت دورا أساسيا في التأثير على خطهم الفكري والسياسي لاحقا.

    في أحد أحياء لندن استقر الشيخ راشد الغنوشي، وفي واحدة من شققها أمضى أوقاتا طويلة يراقب تطورات الوضع في تونس، ويعيش ما يشبه المحاسبة الداخلية التي فاضت عن أطر الحركة المربكة بأوضاعها الجديدة لتستقر معارك على صفحات الإنترنت، حمله ضمنها فريق من مريديه مسؤولية ما آل إليه الوضع في تونس، كما أنفق الغنوشي كثيرا من الوقت في تلك المرحلة يتأمل مفارقة طبعت تفكيره بعمق، فبريطانيا التي تعتبر في الأدبيات الإسلامية التقليدية دار كفر، منحته اللجوء السياسي ورفضت تسليم رقبته لحكم بالإعدام صدر بحقه من قبل قضاء بن علي، وفي مقابل النظام الديمقراطي البريطاني الذي أبهره بعراقته ورسوخ تقاليده والسقف العالي للحريات فيه، أدارت نظم عربية وإسلامية بينها السعودية ظهرها له، وانخرطت بنحو ما في حملة شيطنة الحركة وزعيمها.

    في تلك المرحلة بالذات، أنجز الغنوشي ما يمكن وصفه بــ”الحسم الثاني”، فبعد اعتناق الديمقراطية منهجا في تدبير الشأن السياسي وتبني عقيدة سياسية جوهرها الإيمان بزواج ممكن بل وراجح النجاح بين الإسلام والديمقراطية وإن شئت فقل الإسلام والحداثة، ذهب الغنوشي إلى التحرش بخطوط حمر ومسلمات إسلامية وإخوانية تقليدية فيما يشبه التطبيق العملي الجزئي للمنظور الشامل الذي يستند للديمقراطية.

    في كتابه “الحريات العامة للدولة الإسلامية” رجح الغنوشي أن المرتد العقدي ليس حكمه القتل في الإسلام، وبذل جهدا مشهودا ليؤصل لهذه المسألة التي تبدو للوهلة الأولى فقهية، غير أن نظرة متعمقة تعرف أنها تمس في الجوهر واحدا من أهم العوائق “القانونية” التي تقف في وجه إجراء المنظور الديمقراطي من منطلق إسلامي، ذلك أن ما طرحه الغنوشي أخرج اعتناق الأديان والمذاهب والإديولوجيات من الحيز العقائدي الصارم، إلى وسع وجودي وسياسي أساسه الإيمان بأن “لاإكراه في الدين”.

    كان راشد الغنوشي وحسن الترابي، شيخين يغردان خارج السرب الإخواني، غير أن الفارق بينهما كان أن الأول كان “يتمتع” بإقصاء حركته سياسيا وما فرضه ذلك من جمود سياسي عليها ليعمق رؤيته الجديدة ويذهب بعيدا عن الأرثوذوكسية الإخوانية، بينما انهمك الثاني في ما وصف بـ”المشروع الحضاري” في سودان الانقلاب الذي نفذه البشير، ثم بعد ذلك في المعركة بين الشيخ ومريده العسكري الذي استسلم في نهاية المطاف للعشق القديم بين عسكر المنطقة العربية وكراسي الحكم فيها.

    عسكر المخلوع بن علي الحياة السياسية وأحكم قبضته على تونس، ولم يشعر في أي من مراحل حكمه عدا مرحلة السقوط والهروب بحاجة لعقد صفقة ما مع حركة النهضة، رافضًا باستمرار كل الوساطات واحتمالات التسوية والتطبيع معها. وفي الوقت الذي استيأست فيه قيادات وقواعد النهضة وباتت الحركة أشبه بالنوستالجيا التاريخية التي شرعت تتماوت لظروف أغلبها مفروض عليها، أحدث فريق من الشعب التونسي المفاجأة وأسقط الدولة البوليسية مستفيدا من موقف إيجابي للجيش التونسي من ثورة 14 يناير 2011.

    عادت حركة النهضة إلى الانبعاث من جديد، وشغلت حيزها في الفضاء العام ثم في الشرعية السياسية بعد ذلك، وكافأها الناخب التونسي لنضاليتها وتضحياتها المشهودة في وجه دكتاتورية بن علي، بيد أن تحديات الحكم وحدة الاستقطاب السياسي، شكلت بوادر مرحلة قاسية اقتضت المرور من أريحية التفكير النظير إلى إكراهات التحديات العملية، وها هنا تبينت مجددا محدودية الفكر المناقبي الإخواني المنغمس في التنظير لما ينبغي أن يكون أكثر من انصرافه للتعاطي مع ما هو كائن بالفعل.

    جدد رموز النهضة تمسكهم بالثوابت الديمقراطية مع محاولة للموازاة بين ذلك ومراعاة مرجعيتها الإسلامية، لتجد الحركة نفسها بين مطرقة تيار علماني متمرس بالمناكفات السياسية وآخر سلفي صاعد شرع يتمدد في الفضاء العام ويقدم نفسه تعبيرة أكثر “ثورية” وأصالة مقابل “إسلام النهضة”. حتى إذا جاء حين من الدهر طرحت فيه قضية التنصيص على الشريعة مصدرا وحيدا للتشريع في تونس على أعتاب كتابة دستور جديد للبلاد، دقت عندها ساعة الحقيقة وآن أوان القرارات الصعبة، ورغم دغدغة شعار تطبيق الشريعة لمشاعر الإسلاميين بقوة، اختار الشيخ راشد الغنوشي القرار الأصعب وهو عدم مساندته لهذا المطلب بناء على أن الدستور ينص في مادته الأولى على أن “تونس دولة عربية الإسلام دينها والعربية لغتها”.

    أحرق الغنوشي مراكب كثيرة بحسمه ذاك، واقطع ما تبقى من حبال الوصل والتواصل بين النهضويين والسلفيين خاصة الجهاديين منهم، لتأتي لاحقا مرحلة الاغتيالات السياسية ودخول البلاد في صدام بين مؤسستيها العسكرية والأمنية من جهة وجماعات مسلحة منسوبة للتيار السلفي الجهادي.

    لم يكن كثيرون وقد يكون الغنوشي أحدهم يدرك أنه وحركته يستعدان لتحول عميق في الخط الفكري والسياسي “لإخوان تونس”، لعل بوادره الأولى انطلقت مع رفض التنصيص على الشريعة مصدرا حصريا للقانون التونسي، إلا أنها تكثفت مع زيارة للشيخ راشد إلى الجزائر، استبق لقاءه الحار مع الرئيس بوتفليقة بتصريح ملفت للصحافة الجزائرية قال فيه “جئنا نتعلم الديمقراطية من الجزائر”.. وهو التصريح الذي يتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى إدراك عميق لوزن الشقيقة الجارة الكبيرة، وقراءة لمشهد سياسي فيها لم يرض إسلاميي الجزائر أنفسهم، مما خلق عندهم حرجا ما أمام مديح أخ الخندق الإخواني لنظام اشتكوا طويلا فساده وديمقراطيته الشكلية. لكن الشيخ راشد الغنوشي كان يعي فيما يبدو، أن المشهد المحلي والإقليمي وهشاشة الربيع العربي في بلد مثل تونس تقتضي مرونة بالغة ومسافة من الخطاب الحدّي الذي يصبّ زيت الراديكالية على نيران أزمات بلدان تترنح تحت وطأة الإخفاق التنموي والسياسي.

    بين أخذ وردّ مكتومين داخل أروقة النهضة، ذهبت الحركة أكثر في اتجاه براغماتيتها سواء بقناعة أو بفعل الضغط الذي مارسته الأحزاب المعارضة للترويكا التي قادها النهضويون في الحكم إثر انتخابات المجلس التأسيسي، وتوقف التونسيون عن بوادر تغييرات كبيرة ومثيرة للجدل للشيخ الغنوشي، فالرجل عاد من رحلة باريسية ليمدح حزب نداء تونس، بعد أن قال قبل ذلك إنه أخطر على تونس من السلفية الجهادية، وكان واضحا أن تبدل المعادلة السياسية وما فرضه اغتيال المعارضين البارزين شكري بلعيد ومحمد البراهمي من معطيات جديدة، جعلت الرجل يدرك أن ألغاما خطيرة باتت تعترض طريق حركته، خاصة بعد أن أسقط انقلاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بحكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي، ليبدأ حملة أمنية شرسة ضد إخوان مصر.

    انطلقت النهضة في خطابها الجديد من أمور عدة لعل أهمها قراءة تاريخية للمشهد التونسي، تقول إن الإسلاميين وتونس عامة دفعت ثمن المواجهة بين الإسلاميين والدستوريين ورثة مدرسة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، وهي المواجهة التي أذكاها واستفاد منها اليسار التونسي خاصة بعد هجرته التاريخية نحو التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب الرئيس المخلوع بن علي في بواكير حكمه، وقدر الغنوشي أن تثبيت شرعية الوجود السياسي للإسلاميين في البلاد مقدم على غيره من الاعتبارات.

    ولعل اليسار التونسي ممثل في الجبهة الشعبية التي تضم قوميين أيضا، كان واعيا بالمعركة على هذا الصعيد لما اشترط على الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي بعيد انتصار حزبه نداء تونس في رئاسيات وتشريعيات 2014 استبعاد حركة النهضة للالتحاق بأي تحالف حكومي يقود البلاد في مرحلة الاستقرار السياسي. وإلى يوم الناس هذا، يستمر الجدل في تونس حول فكر ومواقف ودور حركة النهضة فيما آلت إليه الأمور في البلاد، بين من يرى لها دورا رئيسيا في تجنيب التونسيين المحارق المصرية والليبية والسورية، وفريق آخر يتهمها بلا هوادة بالنفاق السياسي والفشل في تجربة الحكم وبالوقوف وراء ظاهرة الإرهاب إن فعليا أو رمزيا.

    على أن حركة النهضة التي جابهت منتقديها بالإمعان وبمستوى غير مسبوق في الشدّ من أزر حركة نداء تونس التي لم تدخر جهدا في إسقاط حكم الترويكا، ليس فقط بالشراكة في الحكم من خلال حقيبة وزارية هي وزارة التشغيل ممثلة في القيادي النهضوي زياد العذاري، وإنما كذلك بتصريحات تنم عن تحالف وتوافق واستعداد للمضي بعيدا في تقديم تنازلات وخدمات كي تعبر تونس محنها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الضاغطة.

    لم يخف الشيخ راشد الغنوشي إعجابه بل وافتتانه بالتجربة التركية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، فالرجل تعددت زياراته إلى اسطنبول حيث التقى مرارا رجب طيب أردوغان وأحمد داوود أوغلو وعبد الله غل قبل ذلك، فيما يشبه لقاءات وثقت لتبادل للخبرات بين الساحتين التركية والتونسية. فالقادة الأتراك يعرفون كتابات الشيخ راشد الغنوشي ويستلهمون منها ما شكل إحدى مرجعيات خطهم الفكري والسياسي، بينما يجد النهضويون قادة وقواعد في تركيا نموذجا تطبيقيا يعتبرونه ناجحا لفكرة التعايش الإسلامي العلماني.

    تتكرر الزيارات لتظهر في ثنايا كل منها مظاهر الحفاوة، دون أن تخفي المفترق الذي تقف أمامه حركة النهضة الإسلامية في تونس، ذلك الغنوشي يعرف بلا شك أن الخط الأردوغاني ولد ضمن معركة مستمرة لليوم مع الخط التقليدي في الحركة الإسلامية التركية سواء كانت ممثلة في حزب السعادة الذي أسسه نجم الدين أربكان، أو جماعة فتح الله كولن التي دخلت في صراع مفتوح مع أردوغان. كما يدرك الغنوشي الأثمان التي دفعها أردوغان حتى حجز له مقعدا بارزا في الساحة التركية والإقليمية في انتظار أن ينضم للنادي الأوروبي، فالرجل لم يقطع علاقات بلاده بإسرائيل مكتفيا بمناكفات ضرفية معها، بل وزار إسرائيل والتقى قادتها ومنهم أرئيل شارون وصافح رموزها وخطب في مؤسساتها وأسهب في التطرق للعلاقات العريقة بين الشعبين والدولتين.

    ها هنا يطرح السؤال ملحا حول السقف الذي قد تصل إليه مرونة حركة النهضة وبراغماتيتها، فكما يستمر التركيز على مدة صدقها ونجاحها في تحقيق معادلة الإسلام والديمقراطية، يبدو من المشروع معاينة مدى استعدادها للمضي في “الخيار الأردوغاني”.

    في الإجابة عن هذا السؤال يبدو من السابق لأوانه الحسم في اتجاه ما، غير أن المتابع ليس بوسعه سوى أن يتوقف عند إشارات عدة، فحركة النهضة تخلت عن مشروع قانون تحصين الثورة ولم تتمسك بمشروع قانون تجريم التطبيع، وذهب نائب رئيسها الشيخ عبد الفتاح مورو يؤبن “يوئاف حطاب” اليهودي التونسي ابن أحد القيادات اليهودية البارزة في البلاد، لكنه وهو الذي قضى في هجوم “شارلي هيبدو” في باريس، نشرت له وسائل إعلام ومواقع إلكترونية صورا تثبت حسب ناشريها جنسيته الإسرائيلية وانتماءه لجيش الاحتلال الإسرائيلي.

    مع كل ذلك تبقى أهم إشارتين حمالتي معان هما حديث القيادي لطفي زيتون في مداخلة تلفازية عن أن الحركة لم تعد إخوانية بالمعنى المتعارف عليه وأنها حسمت طريقها في اتجاه “التونسة” الكاملة، وما تسرب إلى الآن عن مؤتمر النهضة المرتقب من أنه سيكون مؤتمرا مضمونيا سيقدم قراءة جديدة للواقع التونسي ولدور النهضويين فيه. قراءة تستند إلى مستجدات من بينها ما قيل عن توحيد الموقف النهضوي ما وصف بـ”الآباء المؤسسين”.. ضمن بحث عن مصالحة مع تاريخ الحركة الوطنية التونسية، يقع ضمنه الاعتراف بالزعيم الراحل الحبيب بورقيبة مصلحا وبانيا للدولة الحديثة بعد أن كان الغنوشي يرفض الترحم عليه وفاء لعشرات من النهضويين قضوا تحت التعذيب في زنازين أجهزته الأمنية، وبالتزامن مع ذلك يقع طرح الشيخ عبد العزيز الثعالبي المصلح التونسي الذي أسس للعمل الوطني باعتباره “جدا مشتركا” للعائلتين الإسلامية والدستورية، وهو المفهوم الذي لاقى ترحيبا حذرا من قادة وقواعد نداء تونس في ظل معركة مفتوحة بين شقين أحدهما يساري يدرك جيدا المغزى الرمزي والعملي لهذه البادرة النهضوية.

    في كل الأحوال لا تكف حركة النهضة على ضوء ما جدد التعبير عنه القيادي ووزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام، عن التأكيد على أن النهضة على قدر عال من المرونة والحيوية والاستعداد للتفاعل مع الواقع بعيدا عن أي منطق شمولي أو إيديولوجي متكلس، لكنه لم يقل إلى أي حد يمكن لحزبه أن يذهب في هذا السبيل محافظا على صفته الإسلامية وعلى وحدة قياداته وقواعده.. وذلك هو التحدي الأكبر لحركة لا تبدو وفق مؤشرات بعيدة بالرمة عن العودة إلى حكم تونس في ظل الإخفاق الذريع لتجربة حكم حركة نداء تونس التي تعاني يوما بعد يوم من اتساع الهوة بين وعودها الانتخابية وحصاد حكومة الحبيب الصيد

     

    Partager via Gmail Delicious Yahoo! Pin It

    votre commentaire


    Suivre le flux RSS des articles de cette rubrique
    Suivre le flux RSS des commentaires de cette rubrique